سليمان بن موسى الكلاعي
167
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
الذي أنزل في شأنه القرآن ، أي نزل الأمر من الله عز وجل ، بصيامه كتابا يتلى وقرآنا لا يدرس ولا يبلى . كما يقال : « نزل القرآن بالصلاة » أي نزل جزء منه بفرضها و « نزل القرآن في عائشة » رضي الله عنها ، وإنما نزلت منه آيات ببراءتها من الإفك . ومثل هذا الإطلاق موجود في الأحاديث والآثار كثيرا . ولنسلم أن معنى قوله : أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أي ابتدىء فيه إنزاله ، فقد قيل ذلك وليس ببعيد في المفهوم ولا مما تضيق عنه سعة الكلام ، ثم نجرى ذلك المجرى الآيتين الأخيرتين ، وهما : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وإن بعد ذلك فيهما لما ورد من الآثار المصححة لحكم عمومهما حسبما نذكره بعد ، فما بال الآية الأخرى التي هي : وما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ تنتظم في هذا النظام ، وقد أعقبها مفسرا بأن المعنى بذلك يوم بدر ، وهو الحق ؟ ! . وهل كان يوم بدر إلا في السنة الثانية من الهجرة ، وبعد اثنتي عشرة سنة من البعث ونزول الوحي ، أو بعد خمس عشرة سنة ، على ما ورد من الخلاف في مدة مكث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بمكة بعد النبوة ، وما زال القرآن المكي والمدني ينزل في ماضي تلك السنين ! . فإن كان ابن إسحاق عنى ما ذكرناه عنه ونسبناه إليه فقد بينا وجه رده واستوفينا التنبيه عليه ، وإن كان عنى غير ذلك فقصر عنه تحرير عبارته أو سقط على الناقل من كلامه ما كان يفي لو بقي بإفهامه ، فالله تعالى أعلم . والرجل أولى منا بأن يصيب ويسلم ، إلا أنه لا ينكر أن يغلط هذا البشر . ونعوذ بالله أن نقصد بهذا الاعتداء على ذي علم أو الغض من ذي حق ، فإن العلماء هم آباؤنا الأقدمون وهداتنا المتقدمون ، بأنوارهم نسرى فنبصر ونستبصر ، وإلى غاياتهم نجرى فطورا نصل وأطوارا نقصر ، فلهم دوننا قصب السبق ، ولهم علينا في كل الأحوال أعظم الحق ، إذا أصابوا اعتمدنا ، وإذا أخطأوا استفدنا ، وإذا أفادوا استمددنا ، فجزاهم الله عنا أفضل الجزاء ، ووفقنا لتوفية حقوق الأئمة والعلماء . وبعد : فمن أحسن ما يتقلد في تلك الآيات الثلاث التي صدر بها كلامه ، مما يحفظ حكم عمومها ويطابق ظاهر مفهومها ، ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين ، أن القرآن أنزل جملة واحدة في شهر رمضان إلى سماء الدنيا ، فجعل في بيت العزة ، ثم أنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا فشيئا إلى حين وفاته .